آثار الركود الاقتصادي

إن النشاط الاقتصادي لأية دولة يمر بدورات اقتصادية تتسم أحيانا بالازدهار، وفي أحيان أخرى يتراجع النشاط الاقتصادي؛ لتدخل الدولة في ما يعرف بمرحلة من الركود، وتتمثل مظاهر هذه المرحلة في زيادة معدلات البطالة وانخفاض مستويات الدخل وتراجع الإنتاج ومن ثم انخفاض في الإنفاق والاستثمارات؛ وهي ما تعرف بآثار الركود الاقتصادي Impacts of Economic Recession ، وبطبيعة الحال فإن الركود يترك بصماته على نشاط الشركات الكبيرة والصغيرة على حد سواء وحركات التصنيع والاقتصاد ككل، وقد تتفاقم مرحلة الركود إلى ما يعرف بالكساد.

تعريف الركود الاقتصادي Recession

الركود هو أحد مصطلحات الاقتصاد الكلي؛ ويشير إلى انخفاض ملحوظ وواسع النطاق في النشاط الاقتصادي يستمر على مدار عدة أشهر، وبشكل تقني يمكن تعريف الركود بأنه تراجع الناتج المحلي الإجمالي على مدار ربعين متتالين من العام أي لمدة ستة أشهر.

آثار الركود الاقتصادي

تأثير الركود الاقتصادي على النشاط التجاري للشركات الكبرى Recession Impact on Business

مع تراجع معدلات الطلب على السلع خلال فترات الركود الاقتصادي، فإن الشركات المنتجة والمصنعة تخسر بطبيعة الحال جانبا كبيرا من أرباحها، ومن ثم تضطر إلى تقليص نفقاتها من خلال:

  • خفض العمالة أو الاستغناء عنها
  • التوقف عن شراء معدات جديدة لتطوير إنتاجها
  • وقف طرح منتجات جديدة
  • تقليل جودة المنتجات الحالية، فعلى سبيل المثال قد يقدم موردو الأغذية العملاقة منتجًا أقل بنفس السعر بالحجم نفسه.
  • تخفيض نفقات التسويق والإعلان

وتتأثر الشركات سلبا بتشديد البنوك أو الجهات المقرضة لشروط الائتمان ورفع أسعار الفائدة؛ ومن ثم تواجه هذه الشركات صعوبة في سداد ديونها، وهو ما يعرضها أحيانا للإفلاس خاصة أن تأخر الشركة في سداد ديونها سيتسبب في تقليل تقييم أصول الشركة والسندات، لتضطر الشركة إلى القبول بشروط جديدة نظير إعادة هيكلة ديونها.

وتتفاوت درجات المخاطر التي تتعرض لها الشركات جراء الركود، بحيث تكون الشركات المنتجة للسلع الترفيهية مثل شركات ومصانع السيارات الفخمة الأكثر تضررا جراء الركود مقارنة بالشركات المنتجة للسلع الأساسية. وستكون الشركات التي تتمتع بمبالغ كبيرة من الاحتياطيات قادرة على تجاوز مرحلة الركود في وقت أقل.

ومع تعرض الشركات الكبرى لأزمات مالية خلال فترة الركود فإن أسهمها في أسواق المال تكون معرضة للخطر، ليقوم مالكي هذه الأسهم من المستثمرين ببيعها لشراء أسهم ذات عائدات أفضل، وهو ما قد يتسبب في تدهور وضع الشركة بصورة أكبر.

تأثير الركود الاقتصادي على الشركات الصغيرة Recession Impacts on Small Businesses

لاشك أن آثار الركود الاقتصادي على الشركات الصغيرة أكثر عمقا، بحيث تواجه هذه الشركات صعوبة أكبر في توفير التمويل اللازم لتخطي الأزمات الاقتصادية خاصة أنها لاتتمتع باحتياطيات نقدية وأصول كبيرة مثل الشركات الكبرى، كما أن هذه الشركات لاتتمتع بصلات كبيرة بأصحاب السلطة والنفوذ السياسي، وهو ما يحرمها أحيانا من بعض المزايا الحكومية؛ ولهذا فهي تكون معرضة للإفلاس بشكل أكبر، كما أن الشركات الصغيرة عادة ما تفتقر إلى إمكانية  إصدار أسهم جديدة للجمهور على غرار الشركات الكبيرة المدرجة بالبورصة.

زيادة معدلات البطالة Unemployment

إن جانبا كبيرا من فاتورة الركود الاقتصادي سيدفعها في الغالب من يفقدون وظائفهم؛ فمع دخول الدول في مرحلة من الركود لاقتصادي، قد تضطر عدد من المؤسسات إلى خفض نفقاتها أو حتى إعلان إفلاسها، وهو ما يعني بالطبع الاستغناء عن العمالة، ومن ثم زيادة معدلات البطالة التي تعد من ابرز آثار الركود الاقتصادي.

ففي خضم الأزمة المالية العالمية، سجلت معدلات البطالة ارتفاعات كبيرة، ففي أوروبا وصلت معدلات البطالة في دول مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال إلى مستويات كارثية تخطت 20 بالمائة.

وخلال فترة الكساد العظيم التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية عام 1929 واستمرت على مدار اثنا عشر عاما، وصلت معدلات البطالة إلى 25%.

ويجدر الإشارة أن أرقام البطالة الرسمية لا تعبر في الغالب عن ارقام البطالة الحقيقية، ففي فترات الركود قد يشهد العاملون لحسابهم الخاص انخفاضًا كبيرًا في الدخل، لكنهم غير مصنفين بأنهم عاطلون عن العمل.

الآثار السلبية للبطالة على المجتمع

يفقد العاطلون عن العمل فرصة اكتساب المهارات والتدريب، وفي حالة استمرارهم عاطلين عن العمل لفترة طويلة، يصبح من الصعب عليهم الحصول على وظيفة في المستقبل؛ ومن ثم يتوقفون عن البحث عن العمل ويستسلمون لحالة البطالة.

ورغم تركيزنا على الشأن الاقتصادي، فإننا يجب أن نشير إلى أن ارتفاع معدلات البطالة الناجم عن الركود قد يترك بصماته على الفرد والمجتمع، بحيث قد تتسبب البطالة في مشكلات صحية ونفسية للفرد وتعرضه لحالة من الاكتئاب، ومع ارتفاع معدلات البطالة تتزايد المشكلات الاجتماعية ومنها زيادة معدلات الفقر التي قد تؤدي بدورها إلى زيادة معدلات العنف والتخريب، وهو ما يمثل تهديدا كبيرا للنسيج الاجتماعي.

خفض الأجور Lower Wages

وفي إطار مساعي الشركات لخفض نفقاتها خلال فترات الركود، فإنها قد تعمد أيضا إلى خفض الأجور التي تدفعها لموظفيها، خاصة موظفيها المؤقتين العاملين دون عقود، حيث تلجأ الشركات لهذا الخيار بديلا عن تسريح العمالة، وترى إدارة بعض الشركات أن خفض الأجور خلال فترات الركود الاقتصادي بمثابة تضحية مشتركة؛ بحيث يصبح الخيار الأفضل أمام الموظفين أن يحصلوا على أجور أقل بدلا من الاستغناء عنهم، كما تتمكن الشركات من الحفاظ على عمالتها المدربة. كما قد تلجأ بعض الشركات إلى تقليل ساعات العمل ومن ثم تقليل الأجور والنفقات.

ارتفاع معدلات الاقتراض الحكومي Higher Government Borrowing

تحصل الدولة ممثلة في الحكومة على جانب كبيرة من إيراداتها من الضرائب؛ وخلال فترات الركود الاقتصادي، تتراجع أرباح الشركات بشكل كبير، كما أنها قد تتكبد خسائرأحيانا، وهو ما يتسبب في تراجع حجم الضرائب التي تدفعها للدولة. كما تحصل الحكومة على ضرائب أقل على الدخل بتراجع دخل العمال والموظفين.

كذلك تشهد الدولة انخفاضا في إيرادات رسوم الدمغة جراء انخفاض أسعار المساكن وانخفاض معاملات الإسكان خلال فترات الركود، كما يتسبب تراجع إنفاق المستهلكين على السلع والخدمات في انخفاض مدفوعات ضريبة القيمة المضافة.

تأثير زيادة الإنفاق الحكومي على برامج الرعاية الاجتماعية خلال فترة الركود على ارتفاع معدلات الاقتراض

كما أشرنا من قبل إلى أن ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الدخل يعتبران من أهم مظاهر أو آثار الركود الاقتصادي، ومن هنا يتعين على الحكومات العمل على تخفيف وطأة الركود الاقتصادي من خلال زيادة الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية مثل إعانات البطالة والإسكان، وهو ما قد يتسبب في زياد عجز موازنة الدولة وإجمالي الدين الحكومي، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك الارتفاع الحاد لعجز الموازنة الأمريكية في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي امتدت آثارها لكثير من دول العالم، ليشهد كثيرا منها عجزا في الموازنة لاعتمادها على عائدات الضرائب – خاصة الضرائب العقارية والقطاع المالي. وقد يزداد عجز الميزانية أيضًا مع قرار الحكومة باتباع سياسة مالية توسعية في محاولة تحفيز النشاط الاقتصادي.

تراجع قيمة الأصول Fallen Asset Prices

خلال فترات الركود الاقتصادي، تميل أسعار المساكن والنفط والأسهم إلى التراجع جراء انخفاض الطلب عليها، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على تراجع موارد الدولة وثرواتها، ويعد تراجع الأصول مؤشرا على مدى التأثير السلبي التي تتحمله الدولة خلال فترة الركود الاقتصادي.

وقد تقع الدول في براثن الركود جراء التراجع المفاجئ لقيمة الأصول أو ما يطلق عليه فقاعة الأصول، وتعد أزمة الرهن العقاري التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية مع نهاية عام 2007 خير مثال على ذلك. وتوقع المحللون الاقتصاديون تكرار هذه الأزمة موجهين أصابع الاتهام لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبق آلان جرينسبان Alan Greenspan بخلق “اقتصاد يعتمد على الأصول”. وأكدوا أن إبقاء الاحتياطي الفيدرالي على معدلات الفائدة المرتفعة خلال السنوات التي سبقت الأزمة كان سببا في تعثر آلاف من قروض الرهن العقاري.

انخفاض عائد السندات Bond Yields

تنخفض عائدات السندات الحكومية عادة في ظل المخاوف من تراجع معدلات نمو الاقتصاد، حيث يميل الأفراد إلى زيادة مدخراتهم ومن ثم قد يرتفع الطلب على السندات باعتبارها استثمارا آمنا في ظل المخاوف من تسبب الركود في نقص السيولة، وتلعب البنوك المركزية دورا ملموسا في توفير السيولة.

انهيار الناتج الاقتصادي

يتسبب الركود الاقتصادي في تراجع حجم الاستثمارات، وهو ما قد يضر بالقدرة الإنتاجية للاقتصاد على المدى الطويل. ويظل هذا التأثير محدودا للغاية مع قصر فترة الركود الاقتصادي التي تشهده الدولة، لتتمكن الاقتصادات من التعافي سريعا. غير أنه مع زيادة فترة الركود، يتعاظم حجم الأضرار التي يشهدها الناتج الاقتصادي، وهو ماحدث في أعقاب الأزمة المالية العالمية.

كورونا يدفع العالم إلى ركود اقتصادي

تعرض العالم مع مطلع العام الحالي 2019 لغزو وبائي قادم من الصين – بداية ظهور أولى حالات فيروس كورونا، ولاشك أن الإجراءات الاحترازية التي فرضتها دول العالم لمواجهة انتشار فيروس كورونا قد وجهت ضربات موجعة للاقتصاد، حيث تسببت في شلل كبير للأنشطة الاقتصادية وتوقف حركة الطيران والنقل، وهو ما أدى إلى حالة من الركود الشامل للاقتصاد العالمي، وشهدت أسواق المال العالمية هبوطا حاد على خلفية أزمة كورونا، كما سجلت أسعار النفط العالمية تراجعات حادة مع انخفاض الطلب على الذهب الأسود.

وتوقعت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا بأن يكون تأثير أزمة كورونا على الاقتصاد العالمي سيكون الأسوأ منذ الكساد الكبير الذي ضرب العالم في عام 1930، حيث يظل الاقتصاد العالمي في انتظار ضربة جديدة مع استمرار أزمة فيروس كورونا وعدم التوصل إلى لقاح حتى الآن لعلاجه، ومن هنا جاءت دعوة مديرة الصندوق لدول العالم إلى تعبئة ضخمة لمواردها من أجل احتواء الأضرار غير المسبوقة لجائحة فيروس كورونا.

وتعد الولايات المتحدة الأمريكية المتضرر الأكبر، حيث تراجعت عائدات السندات الأمريكية لأجل عامين بنحو 0.46% مقتربة من أدنى مستوياتها على الإطلاق، كما تتزايد التوقعات بارتفاع حجم الاقتراض الأمريكي خلال عام 2021 لمواجهة الخسائر الاقتصادية التي خلفتها كورونا.

وبعد أن قدمنا تعريفا موجزا للركود واستعرضنا آثاره السلبية على أداء الأنشطة الاقتصادية المختلفة، علينا أن نطرح السؤال

هل يمكن أن يكون للركود آثار إيجابية؟

رغم التأثيرات السلبية للركود التي شهدها الاقتصاد أوائل العام الحالي مع بداية انتشار فيروس كورونا، وانهيار نشاط التصنيع في الصين، فإن معدلات تلوث الهواء قد تراجعت بشكل كبير.

ومن المفارقات التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الكساد الكبير أن زيادة معدلات البطالة قابلها زيادة في متوسط العمر المتوقع وتراجع معدلات الوفيات مع تراجع الإنفاق على الكحول والسجائر المضرة بالصحة.

الخلاصة

  • تمر اقتصادات الدول تمر أحيانا بكبوات جراء تراجع معدلات النمو تسمى بالركود في حالة استمرار هذا التراجع على مدار ستة أشهر متواصلة،
  • وتتأثر بهذا الركود عددا من الأنشطة الاقتصادية، حيث تخسر الشركات المنتجة نسبا كبيرة من أرباحها ومن ثم تضطر إلى تقليص نفقاتها حتى لاتتعرض للإفلاس أو تضطر لقبول شروط جديدة من الجهات المقرضة نظير إعادة هيكلة ديونها.
  • وتكون الشركات الصغيرة معرضة للإفلاس بشكل أكبر خاصة في ظل عدم تمتعها باحتياطيات كبيرة وعدم إمكانية إصدار أسهم جديدة للجمهور لتمويل نشاطاتها.
  • وتتمثل أهم آثار الركود الاقتصادي في زيادة معدلات البطالة، كما قد يقبل عدد كبير من العمال بخفض أجورهم في مسعى لتجنب تسريحهم من العمل، ، ومع ارتفاع معدلات البطالة تتزايد المشكلات الاجتماعية ومنها زيادة معدلات الفقر التي قد تؤدي بدورها إلى زيادة معدلات العنف.
  • ويتسبب الركود في تقليص الإيرادات الحكومية خاصة إيرادات الضرائب التي تدفعها الشركات للحكومة، كما تحصل الحكومة على ضرائب أقل على الدخل بتراجع دخل العمال والموظفين.
  • ورغم انخفاض إيرادات الدولة، يتعين على الحكومات خلال فترات الركود زيادة الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية مثل إعانات البطالة والإسكان، وهو ما قد يتسبب في زياد عجز موازنة الدولة وإجمالي الدين الحكومي.
  • وخلال فترات الركود، تميل أسعار الأصول مثل المساكن والنفط والأسهم إلى الانخفاض مع تراجع الطلب عليها، وينجم عن ذلك تراجع في إيرادات الدولة، وتعد أزمة الرهن العقاري التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية بداية من عام 2007 أبرز مثال على ما يسمى بفقاعة الأصول.
  • يتسبب الركود الاقتصادي في تراجع حجم الاستثمارات، وهو ما قد يضر بالقدرة الإنتاجية للاقتصاد على المدى الطويل.
  • وقد أصيب اقتصاد العالم بحالة من الركود الشامل مع مطلع العام الحالي جراء توقف حركة الطيران والنقل وفرض حظر عالمي لمنع انتشار فيروس كورونا، كما شهدت الأسواق العالمية هبوطا حادا، وتراجعت أسعار النفط العالمية، وهو ما دفع مديرة صندوق النقد الدولي لمناشدة دول العالم بتعبئة ضخمة لمواردها من أجل احتواء الأضرار غير المسبوقة لجائحة فيروس كورونا وسط توقعات بأن يكون تأثير أزمة كورونا على الاقتصاد أسوأ من مرحلة الكساد الكبير الذي شهده العالم عام 1930.
  • ورغم آثار الركود الاقتصادي السلبية التي شهدها اقتصاد العالم بسبب فيروس كورونا، لكن توقف حركة التصنيع في الصين على سبيل المثال أسهم إلى حد كبير في تراجع معدلات تلوث الهواء، كما تراجعت معدلات الوفيات في الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الكساد العظيم مع تراجع حجم إنفاق المستهلكين على شراء الكحول والسجائر المضرة بالصحة.
قد يعجبك ايضا

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق